عن الشاعر وتجـربته

مقالات

كانت أيضا مدينة الأحياء المفتوحة
بقلم: فوزية مطر

ورشة أمل شاعر البحرين قاسم حداد أنعشت ذاكرة محرق الطفولة والصبا في الزمان والمكان، في الشخوص والأفعال. أزعم أن كل محرقي مرت طفولته وصباه عبر مفصل الخمسينيات والستينيات الفائتة، سيجد شيئا مما يخصه في ورشة أمل قاسم حداد. كيف لا وقد ذرع قاسم المحرق من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها مثيرا في وجداننا ذاكرة أمكنتنا الأثيرة ومصادر تكويننا الثقافي في ذلك الزمن المحرقي الأصيل ؟. شخصيا وجدت في ورشة أمل قاسم حداد ما يخصني، بل لعلي وجدت بعضا مما يخصني مرتبطا بعدد من شخصيات وأماكن قاسم حداد ذاتها (بيت الحدادة، والد الشاعر، المكتبة العصرية، مدرسة الهداية، المكتب الثقافي البريطاني..وغيرها كثير..)

أظن أن المحرق لم تكن مدينة الأبواب المفتوحة فحسب، كانت أيضا مدينة الأحياء المفتوحة. تلك الأحياء التي أحالت -بتداخلها وألفتها- المحرق الى حي واحد كبير يخترقه شارعان رئيسان لا غير ويحده الثالث من الشمال . وعدا ذلك فالتنقل داخلي عبر طرقات الأحياء التي بامكانها أن توصل العابر الى حيث يشاء من أي بقعة الى أي بقعة داخل المدينة أو خارجها. كان المشي أهم وسائل التنقل، فعدد السيارات -في العموم- قليل ويندر أن تتحرك سيارة براكب واحد. سيارات المحرق القليلة لم تكن تبلغ وجهتها الا مكتظة براكبيها.

كانت المحرق مدينة الأحياء المفتوحة في اتصال سكان أحيائها وتواصلهم. كانت ولم تزل وستظل مدينة التواصل بين أبنائها. ولعل وحدة اللهجة المحرقية التي تسمو بأبنائها فوق الطوائف خير دليل على ذلك الترابط الوطني والانساني الفريد.
في سياق الذكريات التي أنعشتها ورشة الأمل، أذكر أن منازل عائلة الوالدة لأبيها (بيت بن سيف) كانت تقع على طرفي سوق الخارو. جزء منها محاذ لبراحة الشيخ محمد بن عيسى الخليفة جنوبي بيت سيادي، والجزء الآخر خلف مسجد بن شدة في تداخل مع حي (فريج) الحدادة شرقا. وتروي الوالدة -أدامها الله- أن نساء وشابات العائلة وغيرها من عائلات الأحياء المتداخلة مع حي الحدادة تعودن على الذهاب الى مأتم النساء ببيت الحدادة (بيت عائلة الشاعر قاسم حداد) خلال شهر محرم والمناسبات الدينية الأخرى للاستماع الى القراءات الدينية أو للايفاء بالنذور. كانت الأبواب والطرقات والأحياء مفتوحة للجميع.

أذكر أيضا أنني خلال طفولتي بالخمسينيات كنت مع بنات بن جلال فتيات صغيرات نلعب يوميا لعبة (السكينة) التي نرسمها بعرض الطريق بين البابين الضخمين لبيتي يوسف وفهد بن جلال الواقعين جنوب بيتنا بفريق الشيخ عبدالله بن عيسى الخليفة. وكان يثير انتباهنا وتوجس براءة طفولتنا تكرار مرور شبه يومي لرجل طويل القامة متجهم الوجه قادم من براحة الشيخ محمد بن عيسى شرقا مقتحم لرسمة لعبتنا باتجاه التفرع الجنوبي الشرقي للطريق، أو عائد بعكس الاتجاه. كانت رهبة اقترابه تعني وقف اللعب وافساح المرور، على حين لم نكن نكترث بعبور غيره من المارة. بعد عقد ونصف من ذلك الزمن تعرفت على الشاعر قاسم حداد وعلى عائلته وتكررت زياراتي لبيت الحدادة الذي كان يعج بالسكان والزوار، لأكتشف أن والد قاسم لم يكن سوى ذلك العابر المثير للرهبة، الطويل القامة، المتجهم الوجه ذاته الذي كان يقتحم (سكينة) طفولتنا فنفسح له طائعات. كان الرجل -اذن- يعبر حيّنا متجها لدكانته الواقعة بوسط الطريق التي تربط بين براحة بن غتم شمالا ومدخل سوق القيصرية جنوبا. تلك الطريق ذاتها التي غدت في السبعينيات أكثر الطرق ألفة بالنسبة لي في الوصول لسوق المحرق. وكثيرا ما مررت قبالة دكانة الحداد التي تبدو لمرأى العابرين مكان مكتظ بالآنية والمواقد وقطع الحديد يغلف جدرانه السواد.

كانت المكتبة العصرية معلما من معالم العلم والثقافة في محرق تلك الأيام. وكان ناشئة وشباب الستينيات المحرقية مولعين بالقراءة ولعهم بالسياسة والرياضة. ولعب المد الناصري واعلامه أثرا محوريا في ذلك الولع. كانت الأيادي تتلقف الكتب والمجلات المصرية مثلما تتلقف الآذان اذاعة صوت العرب. وقد اهتم الوالد -رحمه الله - بحكم ميوله الناصرية بشراء أبرز المجلات المصرية. وتعوّد في اطار زيارته الأسبوعية لأصدقائه من تجار المنامة أن يمر صبيحة كل جمعة على مكتبة الماحوزي بسوق المنامة لشراء مجلتي (آخر ساعة) و(المصور). وحينما لاحظ ولعنا بالقراءة بدأ يشتري مجلات (سندباد) و(سمير). كان ليوم الجمعة صبغة احتفالية في بيتنا، حيث نتسابق لاختطاف المجلات من يد الوالد حالما يطل برأسه داخلا دهليز البيت. وحين يصادف - لأي سبب كان- عدم وصول المجلات من المنامة، يبدأ اخوتي في الالحاح على طلب النقود لشراء مجلاتنا المحببة من المكتبة العصرية بسوق المحرق. كان ذكر المكتبة العصرية يشدني ويثير خيالاتي وكثيرا ما طلبت من اخوتي مرافقتهم لزيارتها. وأذكر أن ذلك تحقق لأول مرة لي بعذر شراء قاموس الجيب(عربي-انجليزي) الذي طلبت المعلمة منا شراءه. انتهزت فرصة زيارتي للمكتبة واشتريت دفترين صغيرين ملونيّ الصفحات مما كنا نسميه (أوتجراف) كتبت لي فيه معلماتي وصديقاتي في المدرسة أجمل كلمات الذكرى. وما زلت لليوم أحتفظ بالدفترين ضمن أثمن مقتنياتي.

كنت الفتاة الوحيدة في بيت العائلة الكبير بين شلة من الأولاد المقاربين لعمري من اخوتي وأبناء عمي وعمتي. وكان يغلب على أحاديث الشلة ومشاكساتها استعراض مجريات اليوم الدراسي في مدرسة الهداية والطرق التي كان يتعامل بها مدير المدرسة ومعلموها مع كل فرد من أفراد الشلة. ومن خلال ذلك حفظت اسم مدير المدرسة عبدالله فرج وتعرفت على الطرق التي يتفنن فيها في معاقبة وضرب الطلبة. كان ابن عمي عبدالله -رحمه الله- أكبر أفراد الشلة وأكثرهم تعرضا لعقاب وضرب عبدالله فرج. كان ابن عمي - حالما يكمل غداءه يوميا- يمسك بخيزرانة مشابهة لخيزرانة المدير وينادي أفراد الشلة ليتقمص أمامهم شخصية عبدالله فرج. وان لم يستجب لدعوته أحد سلّط خيزرانته على أحد جدران دهليز البيت الكبير وهات يا تعنيف وضرب مفرغا الغضب الذي ناله من العقاب المدرسي في جدران الدهليز. وقد مكنتني أحاديث الشلة العائلية من حفظ أسماء مدرسي الهداية أيضا كالأساتذة روزبه وشناف والمحادين وزنتوت والسيسي وكتمتو وغيرهم.

في سنوات الصبا بالنصف الأول من الستينيات كنت استمع بانتباه لما ترويه شلة أولاد العائلة عن المكتب الثقافي البريطاني الذي كان يقع بوسط الجهة الشمالية من سوق المحرق، وكنت أشاركهم قراءة نشراته التي يجلبونها بشكل دوري مما كان يعرض مجانا لرواد المكتب. ومن المكتب ذاته كانوا يحضرون نشرة (النجمة الاسبوعية) التي كانت تصدرها شركة بابكو وتباع بأقل من روبية. كنت أفرح بالنجمة الاسبوعية فرحي بالمجلات المصرية، ربما لما كانت تنفرد به - في ظل غياب أي مطبوعة محلية دورية آنذاك- من أخبار أهل الديرة وصورهم. ومن خلال النجمة الأسبوعية تعرفت -لأول مرة- على لعبة الكلمات المتقاطعة وحرصت على حلها في كل عدد. وقد بلغ فضولي لزيارة المكتب الثقافي البريطاني ورؤية معروضاته المجانية حد الالحاح على الشلة العائلية لمرافقتهم اليه. ولا أذكر من استجاب منهم لالحاحي، لكني وجدت نفسي مرة برفقتهم في قلب المكتب الثقافي البريطاني أنقل بصري بأسرع ما أستطيع بين عناوين نشراته وكتبه المعروضة على طاولة محاذية لامتداد الجدار تنتهي شمالا بزاوية تفرع صغيرة لجهة اليسار حيث يقع مكتب الموظف المسئول الذي كان يحدجني بنظرة تعجب واستنكار جعل اخوتي يلحون عليّ بسرعة المغادرة.
ذاكرة محرق الخمسينيات والستينيات الماضية تشي بالكثير مما يكتنز في الأعماق، لكنها لن تكون - قطعا - بشفافية ورهافة ذاكرة شاعر.

المصدر: الأيام - 3 أبريل 2004م
 
 
السيرة الذاتية
الأعمال الأدبية
عن الشاعر والتجربة
سيرة النص
مالم ينشر في كتاب
لقاءات
الشاعر بصوته
فعاليات
لغات آخرى