لقاءات
قاسم حداد طائر الحرية
حوار ـ أحمد خضر:

خرج من صفوف الفقراء والباحثين عن الحرية على امتداد الكون ، ولد في المحرق بالبحرين عام 1948 ، تلك الجزيرة التي يحيط بها البحر من الجهات الأربع ، وكان مقدراً له أن يصبح بحاراً ، أو يعرف السباحة ، لكنه يخاف من النزول في الماء ، لذا سبح في بحر الشعر ، حتى غدا من ألمع الشعراء العرب•

يمزج بين ثقافة العقل وسحر الروح ، كي يبدع حالة خاصة من التفرد ، والمقدرة البارعة على الحياة مع نبض القصيدة التي ترفض في عالمه الشعري أن تموت، فهي كتلة من الأحاسيس والمشاعر الصادقة التي تقاوم كل القيود المتوارثة ، وتبحث عن الجديد ، وتؤمن بالمستقبل. قاسم حداد ذلك الشاعر الفذ الذي أحب الناس ، وكتب الكلمة النابعة من قلوبهم ، فأحبته الجماهير ورددت أشعاره ما زال يحلم بالحرية والتسامح والسلام ، إنه طائر الأمل المحلق في سماء الحرية والغد الأفضل ، وعلم من أعلام الشعر العربي الحديث ومعه كان هذا اللقاء :

* ما السر الذي يجعل الشباب العربي يجمع على التعرف بالشاعر قاسم حداد من مشرق الوطن العربي ، والشاعر عبداللطيف اللعبي من مغربه في لحظة واحدة ووقت مبكر ؟

- ربما يكون السبب ليس شعرياً خالصاً ، بل هو إنساني في العمق ، ربما من أول ما بدأت كنت أعي المعنى العميق للثقافة والشعر والأدب بأفقه الإنساني وليس بالأفق المحلي ، لم أتصرف ولا لحظة من أول كلمة كتبتها ، أو أول علاقة لي بالكتابة بوصفي بحرينياً أو خليجياً ، شعرت أنني جزء من هذا الأفق الواسع الذي يجعلني قادراً على التعبير عن نفسي هذا جانب ، السبب الثاني انهماكي المبكر وهو جانب مهم في تجربة المبدع في العمل السياسي النضالي اليومي حيث جعلني جزءاً من هذا النسيج الرحب ، إنسانية الحلم في التحرر في العدالة في المستقبل الأجمل للإنسان العربي ، في عمق الإنسان.

اتصال مبكر

* لكن الاتصال مع شعرك يكون في الصغر ، ربما قبل مرحلة الجامعة لدى كثير من الشباب، كيف تفسر ذلك؟

- إن ملاحظتك عن الاتصال المبكر من خلال النصوص الشعرية سمعتها من أصدقاء كثيرين تعرفت عليهم لأول مرة ، لماذا لا نسمع إلا عنك ؟ عندما أسمع هذه الملاحظة فهي بقدر ما تسعدني وتبهجني تعطيني درساً قوياً بأنني كنت على الطريق الإنساني الصحيح قبل الشعر ، يجب أن تتصل بأبعد كائن إنساني في العالم من خلال هذا الشعور الغامض لأن قضيته هي قضيتك ، لأن تفصيل حياتك هو جزء من اهتماماته ، هذا شيء جميل ، والذي يؤكد هذا ، ويجعل شخص مثلك وهو صغير يتذكر علاقته بقاسم حداد ويعكس الفكرة.

الشعر والسياسة

* هل تعتقد أن السبب السياسي هو الذي ساهم في ترويج النص الشعري؟

- السبب السياسي رافق التجربة في بداياتها ، لكن هذه التجربة مرت في تحولات مختلفة، إنما صدق النص الشعري هو الذي جعل هذا الاتصال في الذاكرة قابلاً للمواصلة ، إن النص استطاع أن يتطور ويتبلور ويؤكد إنسانيته بعناصر فنية ولغة شعرية ربما تكون قادرة على الوصول إلى شغاف الإنسان ، استطاع أن يستمر الاسم والتجربة في ذاكرتك وذاكرة الآخرين ، وهذه نعمة من الله أن يكون للشخص أصدقاء بهذا العدد والعمق والشاعرية والرحابة ، وحين تطرح هذه الملاحظة على مسامعي فإنني أعتبرها صقل لروحي، وتجربتي ، وجائزة إضافية ، فربما أشياء كثيرة تذهب، لكن الصرخة الإنسانية والحب باقيان، وأنا بالفعل سعيد بسؤالك الأول وملاحظاتك حوله.

الحياة خضراء والأيديولوجيا رمادية

* يقال إن شجرة الحياة دائماً خضراء والأيديولوجيا رمادية إلى أي مدى تأثر الشعراء وحافظوا على مواقعهم في زمن الانهيارات الكبرى ، والدخول في عصر مختلف ؟

- إن تجارب هؤلاء الشعراء موجودة بقدر ما هي متكئة على ذاتها ودواخلها وعناصرها الإنسانية الذاتية ، لكن كل تجربة كانت تصدر عن ابتكار خارج الدائرة الإبداعية للشاعر ، بمعنى تصدر عن الأيديولوجيا أو السياسة أو الأفكار الخارجة عن الذات ، فإنها ستنهار حين تنهار تلك الأفكار ، لكن الشاعر المبدع المتكىء على ذاته وموهبته ومشاعره الذاتية ولم يتخل عنها لأنها تتصل بقناعات عميقة في أحلامه ، وأفكاره ومبادئه ، ولا يستطيع انهيار العالم أن يجعله ينهار ، وهذا يعني أن هناك عدداً كبيراً من المبدعين العرب ، والشعراء خصوصاً موجودون ، ولا يزالون بالرغم من انهيارات الخارج لأنهم يصنعون موهبة حقيقية ، فهم يغنون الأيديولوجيا والسياسة والأعمال التحررية ، لكنهم لا يعتمدون عليها ، بل يعتمدون على ذواتهم، أنا أعتقد أن الذي يعتمد على تجربته الإنسانية الذاتية ولا يتنازل عن ذاته في سبيل الموضوع العام الذي يمكن أن يتساوى فيه الآخرون في كل طريقه ، يظل قادراً على حمل مبادئه وقناعاته، ولا يتنازل عن أحلامه ، محتمل أن تنهار الأيديولوجيا بالمعنى المبتذل ، أو تنهزم الجهة السياسية ، تسقط تجارب كثيرة ، لكن الموهبة والإبداع لا تخذل صاحبها ، أنا أشعر بالفعل أن هناك تجارب شعرية عربية اكتسبت بعد الانهيارات رؤية جديدة لدور الشعر في حياة الإنسان.

خلل في الرؤية

* التطور في القصيدة العربية ما زال موضوع سجال ، والبعض يحاول أن ينفي الآخر ، كيف تنظر إلى هذه المسألة ؟

- يجري الكلام دائماً حول التجديد في التجارب الأدبية الشعرية كما لو أنه ابتكار جديد آلي ينفي ما سبقه ، كما لو أن هناك قطيعة بين القديم والجديد ، أنا أعتقد أن هذا يصدر عن خلل في بنية الرؤيا التي تطرح هذه الأفكار لأن التجارب الإنسانية على الصعيد الأدبي هي تجارب متصلة في العمق ومستفيدة من بعضها البعض ، ومكملة لمشهد التجربة الإنسانية ، فنحن لا نزعم بأن تجربة الشعر العربي الحديث الذي خرج عن العمود قد خرج من فراغ ، هو خرج من تجربة سابقة اعتمد على الأوزان والبحور والعمود ، كذلك كل التجارب التي تلحقه هي تجارب من هذه الثقافة الواسعة العميقة ، فالبعض يعتقد أن المبدع الذي يبدأ من الصفر ، وأن ما يكتبه هو بحكم القيمة على إلغاء السابق ، وتأسيس شيء جديد ، هذا غير ممكن على الصعيد الفيزيائي ، فما بالنا على صعيد النسيج الإنساني الشامل الذي يعتمد على ثقافة كونية عبر الزمن والجغرافيا ، حيث أن كل جزئية من ثقافة العالم عبارة عن هواء يتنشق منه المبدع لكي يصوغ تجربته ، نحن نستطيع القول إن التجارب الإبداعية الجديدة هي إضافة نوعية ، ليس لصقل التجربة ، فأنا أحب نصاً من التراث اليوناني ، ونصاً من قبل الإسلام ، ونصاً من العصر العباسي ، ما الذي يجعلني معجباً بهذه النصوص ، يعني أن هناك إبداعاً بالطبع ، لا يمكن أن أزعم أن ما أكتبه فقط هو الإبداع ، إذا زعمت هذه الفكرة ، فيجب علي أن أتوقع من الجيل الذي سيأتي بعدي أن ينفيني ، أنا أعتبر نفسي اقتراح إنساني جديد أرجو أن يكون جزءاً من هذا السياق التعبيري والإبداعي الواسع للبلاغة ، أزعم ذلك وأتمنى أن يكون ، ومن المؤكد أنني لا أستطيع أن أنفي ما قبلي لأنني لا أتوقع أن ينفيني ما بعدي.

لحظة البحرين الشعرية

* يلاحظ وجود نوع من التصالح بين مختلف الألوان الشعرية في البحرين.

- أظن أن اللحظة الشعرية في البحرين هي جزء من المشهد العربي ككل بالنسبة لحضور القصيدة الحديثة بشكل عام ، ولم يحدث أي صراع بالمعنى التقليدي بين القصيدة القديمة والحديثة، إلا أن طبيعة المجتمع والتجربة الثقافية في البحرين غالباً ما تكون مهيأة لتفهم تجارب الكتابة الحديثة بالمعنى العميق، ولم تشكل صداماً مثلما حدث في بعض الساحات الشعرية العربية، أو حواراً عنيداً ، أو تنافراً ، لأن القصيدة الحديثة موجودة مثل العمودية مثل النبط ولا ينفي شكل شكلاً آخر.

هموم أخرى

* لماذا يعزف الجمهور العربي عن سماع الشعر ؟

- أشرت لمسألة طبيعية في المجتمع العربي ، خصوصاً في المجتمعات التي لم تكرس فيها الثقافة بشكل حضاري ، ولم تمثل الثقافة والأدب جزءاً من التقليد اليومي والعادة اليومية والنسيج في المجتمع العربي لأسباب اجتماعية وسياسية كثيرة ، الأدب محدودة مساحته واهتمامات الناس به لأنه ليس جزءاً مهماً من حياتهم الحقيقية ، هناك هموم أخرى سياسية واقتصادية ورياضية وغيرها ، فحين نأتي إلى المهتمين بقراءة الشعر ، وبالرغم من الزعم بأن الشعر ديوان العرب ، فإن المجتمعات في العصور الحديثة لم يشكل الشعر سوى لشريحة بسيطة قياساً على مستوى الحجم الكمي نسبة كبيرة جداً ، وهذا ما أقصده بأن هناك قراء للشعر وليس جمهوراً ، لا يمكن المقارنة بين جمهور للمغني ، أو السياسي ، والجمهور الشعري.

المناهج والنص الحديث

* ما خطورة غياب النص الحديث في المناهج المدرسية ؟

- في المدارس ندرس الشعر القديم ، النصوص القديمة السطحية والضعيفة ، وهي تفرض بشكل مدرسي ، وتشرح بشكل آلي لا يهييء للطالب مع الوقت التعامل مع النص بعفوية ، بل تقنن له المفاهيم السطحية ، وكل نص له شرح مباشر ، هو نفس الشرح الذي يدرس عشرات السنين ، وحين تنظر إلى هذه الظاهرة تشعر بخطورة تأسيس الشرح نفسه ، المعنى الواحد للنص عبر كل هذه السنوات كما لو أنك تقولب مخيلة الطالب من الابتدائي حتى التخرج ، وهذا لا يهيئه إذا افترضنا أن النص جميل ، لأن يقبل نصاً حديثاً يزعم بتعدد المعاني ، وتشغيل المخيلة ، هذا ما يحدث في مناهج التدريس العربية المقننة والمقولبة ، وهي أخطر من مصادرة الكتاب أو الرقابة أو عدم دعم الثقافة لترخيص سعر الكتاب

* ما الدور الذي يلعبه الشعر في الظرف العربي الراهن ؟

- لا أميل إلى الكتابة الفورية ، لأنني لا أصمد إنسانياً أمام مشهد شهيد يقتل أمامي ، فما بالك بالنص الذي أكتبه ، أعتقد أن الإبداع يأتي في مرحلة لاحقة لأنه ليس وسيلة إعلامية ، ولست من المؤمنين بأن الشعر له وظيفة تحريضية ، لأن هناك آليات مختلفة وأدوات تعبير مختلفة لإبداء الموقف والاستنكار ، وتصليب الذات ، ربما هناك بعض الشعراء لديهم السليقة ، ولديهم القدرة لأن يتفاعلوا ويكتبوا ، لكن ليس بالضرورة ولا تشكل إدانة أو تبجيلاً لموقف الشاعر مما يحدث ، المسألة غالباً نسبية من جهة ، وتأكيد لعدم تجبير وتوظيف الإبداع بشكل إعلامي ، لأن ما يحدث في فلسطين من جرائم بشكل يومي هو أكبر من الآن ، والكتاب ما زالوا يكتبون قصائد عن تجارب سابقة ، كما لو أنهم يكتبون الآن ، أظن بأن اتصالنا المباشر يالأصدقاء والأهل في فلسطين هو ما يجعلني متوافقاً مع نفسي ، لكنني سأكون قلقاً جداً إذا كتبت نصاً فقط لتلبية هذا الانفعال القوي ، لكنني غير مقتنع به فنياً ، ولي تجربة من هذا النوع على الصعيد الشخصي ، كتبت ديواناً كاملاً من الشعر لم أجرؤ على نشره فيما بعد ، أظن يجب أن ندرك ، وترى دور النشر الشاعر بشكل مختلف عن التقليد ، ولا نفترض بأن عدم كتابة الشاعر قصيدة الآن عما يحدث هو ابتعاد ، هذا صعب وظلم لأن الشعراء والكتاب والأدباء العرب هم جزء من الشعوب ، والقصيدة ليست الدليل على موقف الشاعر العربي

الإتحاد الإماراتية ـ 26 سبتمبر

 

السيرة الذاتية
الأعمال الأدبية
عن الشاعر والتجربة
سيرة النص
مالم ينشر في كتاب
لقاءات
الشاعر بصوته
فعاليات
لغات آخرى